السيد كمال الحيدري
49
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
النزول في القرآن ، كثيراً ما يقع الخلط بينهما ويفضي إلى التباسات كبيرة ، وهما : النزول على نحو التجافي والنزول على نحو التجلّي يُنظر إلى العلوّ والسفل تارةً على نحو مكاني ، فهذا الكتاب يوجد في مكان عال الآن ، عندما يأخذه أحدهم ويضعه في مكان دان يُقال فيه أنّه كان عالياً وصار الآن سافلًا . كذلك الحال في ترتيب وضع اليدين إحداهما فوق الأُخرى ، حيث تصير إحداهما فوق نسبةً إلى الأُخرى التي تصير في السفل . من خصائص العلوّ والسفل المكاني أنّ الشيء فيه يكون بنحو التجافي ، بحيث إذا كان في الأعلى فهو غير موجود في الأسفل ، وإذا كان في الأسفل فهو غير موجود في الأعلى ، على هذا جرت الآية في قوله تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ « 1 » ، فعندما ينهض هؤلاء لا تبقى جنوبهم في المضجع ، بل تتجافى عنه وتتباعد . هذا النوع من العلوّ والسفل هو الذي يُطلق عليه الإنزال على نحو التجافي ، بحيث إذا كان الشيء في مكان لا يكون في مكان آخر . ثمّ ضرب آخر من الإنزال والتنزيل يطلق عليه القرآن الكريم « التجلّي » كما في قوله سبحانه : فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ « 2 » . أبرز خصوصيّة في هذا الضرب من التنزيل أنّ الشيء إذا تنزّل لا يفقد وجوده في العلوّ ولا يفقد مرتبته الحضورية فيه ، بعكس التنزّل على
--> ( 1 ) السجدة : 16 . ( 2 ) الأعراف : 143 .